لقد كان العرب عند نزول
القرآن الكريم عليهم فى قمة رقيهم اللغوى ، شعرا ونثرا ، وأقاموا لذلك الأسواق المعروفة كسوق عكاظ وغيره ، ورغم ذلك فقد كان
القرآن الكريم -ولا يزال – معجزة الرسول الكريم محمد r ، وحتى يلزم الخصم الحجة فلا بد أن يكون الإعجاز والتحدى من جنس ما برع فيه القوم ، وألا يكون هناك مانع أو صارف للتحدى ، فعيسى عليه السلام أرسله الله إلى قوم اشتهروا بالطب ، فأعطاه الله ما قهر به طبهم ، حيث أجرى على يديه إحياء الموتى مما لا يستطيعه الأطباء " أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ
وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ"
[1]
وموسى عليه السلام ، أرسله الله إلى قوم اشتهروا بالسحر وقدسوه ، فأعطاه الله ما أبطل به سحرهم " قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ
إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ "
[2]
ولما كانت بعثة النبى r إلى أرباب الفصاحة وفرسان البلاغة ، نازلهم فى نفس تخصصهم حتى يلزمهم الحجة ، فلم يفاجئهم النبى بجديد عليهم ، بل جاءهم بجنس ما برعوا فيه ، لكنهم عجزوا عن محاكاته أو مجاراته 0
وسرعان من انسحبوا من حلبة المصارعة ، وقد سجل عليهم التاريخ خزيهم وعجزهم أمام فصاحة
القرآن التى قهرتهم ، فلقد أخذهم
القرآن الكريم بقوة كلماته وفواصله ، وأساليبه وجزالة ألفاظه 0
وقد فاق
القرآن الكريم ما لدى العرب من كلام راق فصيح ، فبهرهم وهم فطاحل الشعر ، ولأن
القرآن الكريم هو كتاب الله تعالى وكلامه ، وهناك فارق بين كلام الخالق وكلام المخلوق تماما كالفارق بين الخالق والمخلوق 0
من أجل هذا فقد أودع الله تعالى فيه الأسرار العظيمة الظاهرة والباطنة ، كما أن
القرآن الكريم قد استخدم أفضل وأجمل الأساليب البليغة ، التى أخذت العقول ، وأسرت الألباب ، وجذبت إليها الأنظار والأفهام 0
ومن الأساليب اللغوية والأدبية : أسلوب
التكرار ، وهو مع هذا لا يسبب الملل ولا السآمة عند الإنسان الذى سرعان ما يمل ، والقرآن الكريم يحكى لنا كيف أن اليهود ملت تكرار الطعام مع كونه شهيا :" وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْنَصْبِرَ
عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ ......"
[3]
ويختلف استخدام
القرآن الكريم للتكرار عن استخدام غيره له ، ويكمن هذا فى جودة التوظيف للتكرار، وعدم الاستغناء عنه حيث جاء 0
فالتكرار حيث جاء فى
القرآن الكريم يؤدى وظيفة بلاغية ، ومهمة تربوية لا تُؤدى بدونه ، ولو فتشنا وبحثنا عن بديل للتكرار لأعيانا البحث وأجهدنا ولن نجد هذا البديل 0
* إن
التكرار فى
القرآن الكريم أمر واقع لا شك فيه ، وهو حق لا ريب فيه، سواء ظهرت لنا الحكمة من ورائه أم لم تظهر 0
والتكرار فى
القرآن الكريم -كما سبق – يباين
التكرار فى كلام البشر ، فالتكرار فى كلام البشر لا يسلم عادة من القلق والاضطراب ، وإذا لم يجيده المتكلم به صار عيبا فى الأسلوب 0
أما فى
القرآن الكريم فهو تكرار محكم ، ذو وظيفة يؤديها فى النص القرآنى ، وإنما يقف على ذلك من تفحص وأنعم النظر فى طبيعة النص القرآنى وخصائصه 0
هذا : ولم تكن السنة النبوية المطهرة بعيدة عن ممارسة
التكرار ، فهى قسيمة
القرآن ، إذ المصدر واحد " وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى "
[4]
وقد تضافرت الأدلة من كتب السنة على أن النبى r قد استخدم
التكرار فى أحاديثه وأجاد فى توظيفها، وكان لها نفس الفوائد تقريبا التى تكمن فى
التكرار فى
القرآن الكريم ، من زيادة التنبيه على أمر لأهميته كما فى الحديث الذى رواه البخارى فى صحيحه عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلَاثًا قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا
فَقَالَ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ قَالَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ [5]
فالنبى r يكرر شهادة الزور زيادة فى التحذير منها ، فاحتاج هذا الأمر لتكرار اللفظ 0
ومن ذلك أيضا ما رواه أَبِو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي قَالَ أُمُّكَ
قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أُمُّكَ
قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أُمُّكَ
قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أَبُوك " [6]
فكرر النبى r الأم هنا تأكيدا على أهمية الإحسان إليها ، واعتناء بمقامها ومنزلتها 0
وفى قصة خِطبة بنى هاشم ابنتهم لعلى وكان علىٌ زوجا لفاطمة y ، رفض النبى r هذا الأمر وكرر رفضه ثلاثا تأكيدا ، واهتماما به ، عن الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُوا فِي أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَلَا آذَنُ ثُمَّ لَا آذَنُ ثُمَّ لَا آذَنُ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ فَإِنَّمَا هِيَ بَضْعَةٌ مِنِّي يُرِيبُنِي مَا أَرَابَهَا وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا "
[7]
وقد قال الزمخشري: "النفوس أنفر شيء عن حديث الوعظ والنصيحة، فما لم يكرر عليها عودا عن بدء لم يرسخ فيها ، ولم يعمل عمله ، ومن ثم كانت عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكرر عليهم ما كان يعظ به وينصح ثلاث مرات وسبعا ليركزه في قلوبهم ويغرسه في صدورهم"
[8]
وهكذا تبين أن
القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة استخدما
التكرار فى نصوصهما ، وجاء هذا الاستخدام فى أرقى وأسمى صوره ، ولم يضف
التكرار على هذه النصوص رونقا وجمالا بقدر ما أضافت نصوص الكتاب والسنة لظاهرة
التكرار من الجمال والروعة والثقة 0
ولو خلا
القرآن أو السنة من أسلوب
التكرار وهو أسلوب معروف لدى العرب ، لوجدنا من يعترض على
القرآن والسنة تجاهلهما لهذا الأسلوب البلاغى المعروف 0
[1] آل عمران 49
[2] يونس 81
[3] البقرة 61
[4] النجم 4
[5] البخارى باب ما قيل فى شهادة الزرو برقم الحديث 2460
[6] البخارى باب من احق الناس بحسن الصحبة برقم الحديث 5514
[7] البخارى باب ذب الرجل عن ابنته فى الغيرة برقم الحديث 4829
[8] تفسير الزمخشرى 4/ 57 من تفسير سورة الزمر 0