إن لفظة
التكرار ومشتقاتها تدور فى اللغة حول معنى الرجوع إلى الشئ مره أخرى ، أو الإتيان به مرة بعد مرة
[1]
فالتكرار فى اللغة أصله من الكر بمعنى الرجوع ويأتى بمعنى الإعادة والعطف.فـ "كرر الشئ" وكرره أى أعاده مرة بعد أخرى ويقال كررت عليه الحديث وكررته إذا رددته عليه0
والكر الرجوع . قال أبو سعيد الضرير:قلت لأبى : مابين تِفعال وتَفعال ؟ بكسر التاء وفتحها فقال : تِفعال بالكسر اسم وتَفعال بالفتح مصدر
[2]0
وقد وردت بعض تصريفات "الكر" فى
القرآن الكريم قال تعالى :" ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ"
[3] ، " فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً
فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِين"
[4] ، "
وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً
فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا"
[5]، "
قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ
خَاسِرَةٌ"
[6]، "
ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ "
[7]
وقد يأتي له تصريف آخر وهو "التكرير" يقول الرازى فى مختاره : "الكر الرجوع .يقال كررت الشئ تكريراً وتكراراً
[8]
ويقول ابن سيده فى مخصصه : "والألف فى "تكرار" عوضا عن الياء فى "تكرير" . ويجعلون ألف
التكرار والترداد بمنزلة ياء تكرير وترديد 0"
[9]
وفى الاصطلاح : تكرار كلمة أو لفظ أكثر من مرة فى سياق واحد لنكتة ما كالتوكيد أو الانتباه أو التهويل أو التعظيم 0
[10]
وهذا التعريف يتفق مع ما عرفه به الإمام الزركشى حيث قال : "وحقيقته إعادة اللفظ أو مرادفه لتقرير معنى"
[11]
ولعلنا ندرك من خلال هذا التعريف أن
التكرار كما يكون فى كلمة واحدة تعاد أكثر من مرة . قد يكون أيضا فى جملة وهى التى تشمل أكثر من كلمة . لكنه أيضا اشترط أن تكون هذه الإعادة فى سياق واحد . وعليه فلو اختلف السياق . وتغير الموضوع ولو أعيد فيه بعض الألفاظ فلا تكرار عندئذ.
الألفاظ ذات الصلة :
هناك ألفاظ قريبة من
التكرار مثل "الإعادة . التوكيد "وقد يظن المطالع لها لأول مرة أن لا فرق بينها وبين
التكرار . لكن علمائنا الأجلاء أوضحوا لنا هذه الفروق وإن كانت دقيقة ، وهى تكشف عن بعض مزايا اللغة العربية .
ففى بيان الفرق بين
التكرار والإعادة يقول أبو هلال العسكرى فى الفروق اللغويه : "الفرق بين
التكرار والإعادة :أن
التكرار يقع على إعادة الشئ مرة وعلى إعادته مرات . أما الإعادة فتكون للمرة الواحدة فقط 0
ثم يزيد الأمر وضوحا فيقول : "ألا ترى أن قول القائل : أعاد فلان كذا . لا يفيد إلا إعادته مرة واحدة . وإذا قال كرر كذا . كان كلامه مبهما لم يدر أعاده مرتين أو مرات....ولا يخلط بينهما إلا عامي لا يعرف الكلام "
[12]
التوكيد : يوجد فروق دقيقة بين التوكيد وبين
التكرار ، وممن أظهر هذه الفروق علماء البلاغة وقد عرض لها الزبيدى حيث يقول عارضا لهذا الفارق : " التأكيد شرطه الاتصال وأن لا يزيد على ثلاثة. والتكرار يخالفه فى الأمرين ومن ثم بنوا على ذلك أن قوله تعالى : " فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ "
[13] تكرار لا تأكيد . لأنها زادت على ثلاث مرات وكذا قوله تعالى : " وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ".
[14]
ويضيف الزركشى فى برهانه فرقا آخر بين
التكرار والتأكيد فيقول :" واعلم أن التكرير أبلغ من التأكيد لأنه وقع في تكرار التأسيس
[15] وهو أبلغ من التأكيد فإن التأكيد يقرر إرادة معنى الأول وعدم التجوز ، فلهذا قال الزمخشري في قوله تعالى " كَلَّا سَوْفَتَعْلَمُونَ
* ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ "
[16] قال: إن الثانية تأسيس لا تأكيد "
[17]
هل كل تكرار يورث الكراهة :
لاشك أن النفس البشرية تحب التجديد والتحول من حالة إلى حالة ، وسريعا ما تصاب بالملل .
وهنا سؤال يطرأ ، وهو : هل كل تكرار يورث الملل والساَمة ؟
وللإجابة على هذا الطرح . ننظر فى الأشياء من حولنا فالتجديد والتغيير الجذرى لكل الأشياء من حولنا أمر مستحيل ، فلا شك أن هناك أشياء تتكرر ، ومع ذلك فنحن نألفها ونتعايش معها دون ساَمة أو ملل فليس كل مكرر مكروه 0
ولذا يقول الإمام السكاكى صاحب كتاب مفتاح العلوم : " إن التوفيقَ بين حكم الإلْف وبين حكم التكرار. أحوجُ شئ على التأمل فليفعل لأن الإلْف مع الشئ لا يتحصل إلا بتكرره على النفس ، ولو كان
التكرار يورث الكراهة لكان المألوف أكره شئ على النفس . وامتنع إذ ذاك نزعها من مألوف . والوجدان يكذب ذلك "
[18]
نعم الوجدان والواقع أيضا يكذبان هذه المقولة الضالة :" إن كل مكرر مكروه "
فالشمس مثلا لها من الرتابة ما لا يخفى ، ولكن لا يملها أحد ، ولا يستغنى عنها كائن ، فضلا عن غيرها من نعم الله تعالى التى تتسم بالرتابة فى حياتنا ، ولو كان ذلك كذلك لمل الإنسان أولاده مثلا وهذا ما لا يقول به عاقل 0
[1] كتاب العين للفراهيدى 1/424، التعريفات للجرجانى 1/21
[2] راجع لسان العرب لابن منظور مادة كرر 5/135وبعدها
[3] الإسراء 6
[4] الشعراء 120
[5] البقرة 167
[6] النازعات12
[7] الملك4
[8] مختار الصحاح لزين الدين محمد بن أبى بكر الرازى ص 567ط مؤسسة الرسالة ط سابعة مادة كرر . القاموس المحيط 2 للزبيدى /412
[9] المخصص لابن سيده 3/412
[10] راجع أسرار
التكرار فى لغة
القرآن د شيخون ص11 وبعدها 0
[11] البرهان فى علوم
القرآن 3/10
[12] الفروق اللغوية لأبى هلال العسكرى 1/138
[13] الرحمن 13
[14] تاج العروس من جواهر القاموس للزبيدى1/ 3448 والآية فى سورة المرسلات 15
[15] أى يؤسس معنى جديدا يغاير الأول ولو من جهة 0
[16] التكاثر 3، 4
[17] البرهان 3/ 11
[18] مفتاح العلوم للسكاكى 1/155